سيد قطب

2767

في ظلال القرآن

وعند هذا الحد من عرض تناقضهم في دعوى الشرك المتهافتة ، يكشف عن العلة الأصيلة في هذا التناقض المريب : إنه الهوى الذي لا يستند على عقل أو تفكير : « بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ . فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ؟ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ » . . والهوى لا ضابط له ولا مقياس . إنما هو شهوة النفس المتقلبة ونزوتها المضطربة ، ورغباتها ومخاوفها . وآمالها ومطامعها التي لا تستند إلى حق ولا تقف عند حد ولا تزن بميزان . وهو الضلال الذي لا يرجى معه هدى ، والشرود الذي لا ترجى معه أوبة : « فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ؟ » نتيجة لاتباعه هواه ؟ « وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ » يمنعونهم من سوء المصير . وعند هذا الحد يفرغ من أمر هؤلاء الذين يتبعون أهواءهم المتقلبة المضطربة ؛ ويتجه بالخطاب إلى الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - ليستقيم على دين اللّه الثابت المستند على فطرة اللّه التي فطر الناس عليها ؛ وهو عقيدة واحدة ثابتة لا تتفرق معها السبل كما تفرق المشركون شيعا وأحزابا مع الأهواء والنزوات ! « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً . فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ . ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ » . . هذا التوجيه لإقامة الوجه للدين القيم يجيء في موعده ، وفي موضعه ، بعد تلك الجولات في ضمير الكون ومشاهده ، وفي أغوار النفس وفطرتها . . يجيء في أوانه وقد تهيأت القلوب المستقيمة الفطرة لاستقباله ؛ كما أن القلوب المنحرفة قد فقدت كل حجة لها وكل دليل ، ووقفت مجردة من كل عدة لها وكل سلاح . . وهذا هو السلطان القوي الذي يصدع به القرآن . السلطان الذي لا تقف له القلوب ولا تملك رده النفوس . « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً » . . واتجه إليه مستقيما . فهذا الدين هو العاصم من الأهواء المتفرقة التي لا تستند على حق ، ولا تستمد من علم ، إنما تتبع الشهوات ، والنزوات بغير ضابط ولا دليل . . أقم وجهك للدين حنيفا مائلا عن كل ما عداه ، مستقيما على نهيه دون سواه : « فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ » . . وبهذا يربط بين فطرة النفس البشرية وطبيعة هذا الدين ؛ وكلاهما من صنع اللّه ؛ وكلاهما موافق لناموس الوجود ؛ وكلاهما متناسق مع الآخر في طبيعته واتجاهه . واللّه الذي خلق القلب البشري هو الذي أنزل إليه هذا الدين ليحكمه ويصرفه ويطب له من المرض ويقومه من الانحراف . وهو أعلم بمن خلق وهو اللطيف الخبير . والفطرة ثابتة والدين ثابت : « لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ » . فإذا انحرفت النفوس عن الفطرة لم يردها إليها إلا هذا الدين المتناسق مع الفطرة . فطرة البشر وفطرة الوجود . « ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » . . فيتبعون أهواءهم بغير علم ويضلون عن الطريق الواصل المستقيم . والتوجيه بإقامة الوجه للدين القيم ، ولو أنه موجه إلى الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - إلا أن المقصود به جميع المؤمنين . لذلك يستمر التوجيه لهم مفصلا معنى إقامة الوجه للدين : « مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً . كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ » . .